منوعات

قيود على قبول الطالبات في جامعات سوريا تثير جدلاً واسعاً.. اختصاصات محصورة بالذكور وأخرى بالإناث

قبول الطالبات

أثار إعلان شروط القبول الجامعي للعام الدراسي 2026 في سوريا موجة من الجدل والانتقادات، بعدما كشفت قوائم المفاضلة عن تخصيص عدد من الاختصاصات للطلاب الذكور واستبعاد الإناث منها، بما في ذلك برامج مدنية وأكاديمية لا ترتبط مباشرة بالمؤسسات العسكرية والأمنية، وسط تساؤلات بشأن تكافؤ الفرص ومستقبل مشاركة النساء في التعليم العالي وسوق العمل.

وتحوّلت شروط المفاضلة، التي أعلنتها وزارة التعليم العالي السورية في 30 أيلول/سبتمبر الماضي، إلى محور نقاش واسع في الأوساط التعليمية والحقوقية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، بعدما أظهرت اعتماد الجنس معياراً للالتحاق ببعض الكليات والمعاهد، إلى جانب المعايير التقليدية المرتبطة بالمجموع الدراسي ورغبات الطلاب.

وبينما اعتبر منتقدون أن هذه الإجراءات تضع قيوداً إضافية أمام الطالبات وتحدّ من حريتهن في اختيار مساراتهن الأكاديمية والمهنية، رأى آخرون أن بعض الشروط ليست مستحدثة، بل تعود إلى أنظمة قبول سابقة ارتبطت بطبيعة بعض الاختصاصات ومتطلبات المؤسسات التابعة لها.

قيود على قبول الطالبات في جامعات سوريا تثير جدلاً واسعاً.. اختصاصات محصورة بالذكور وأخرى بالإناث

اختصاصات هندسية وأمنية وقانونية محصورة بالذكور

بحسب ما أوردته «يورونيوز»، شملت قوائم المفاضلة اختصاصات في مؤسسات عسكرية وأمنية، بينها كلية العلوم الأمنية والمعهد التقني للعلوم الأمنية، إلى جانب برامج في الهندسة الميكانيكية والإلكترونية والمعلوماتية والميكاترونكس والهندسة البحرية وهندسة الطيران.

وامتدت القيود إلى الجامعة الوطنية للعلوم الدفاعية، التي أُحدثت في تموز/يوليو 2026 ضمن مؤسسات التعليم العسكري والأمني، حيث اقتصر القبول في برنامج العلوم القانونية على الذكور، رغم إتاحة برامج أخرى للطالبات داخل المؤسسات المعنية.

غير أن الجانب الأكثر إثارة للجدل تمثل في ظهور اختصاصات مدنية ضمن القوائم المخصصة للذكور، بينها العلوم القانونية والعلوم الاجتماعية وإدارة الأعمال والاقتصاد في دمشق، فضلاً عن اختصاص الإخراج الإذاعي والتلفزيوني في المعهد التقاني للإعلام في إدلب.

كما شملت القوائم معاهد تقنية متخصصة في النفط والغاز والسكك الحديدية، الأمر الذي أثار تساؤلات حول المعايير التي تستند إليها الجهات المعنية في حصر بعض البرامج بفئة محددة من الطلاب.

وفي المقابل، أظهرت شروط القبول تخصيص برامج للإناث، من بينها رياض الأطفال والتمريض والقبالة وبعض اختصاصات الأمن السيبراني.

ومع ذلك، لا تعني هذه الإجراءات منع النساء من دراسة القانون أو الهندسة أو الإعلام في سوريا بصورة شاملة، إذ تختلف شروط القبول بين الجامعات والمعاهد وفروعها، ولا تزال هذه الاختصاصات متاحة للطالبات في مؤسسات أكاديمية أخرى، بينها جامعة دمشق.

هل تمثل القيود سياسة جديدة؟

أحد أبرز محاور الجدل يتعلق بما إذا كانت الشروط المعلنة تعكس توجهاً جديداً في السياسة التعليمية السورية، أم أنها استمرار لأنظمة قبول قائمة منذ سنوات.

وتشير المعلومات المتاحة إلى أن بعض المعاهد كانت مخصصة للذكور منذ تأسيسها، ومن بينها معهد النفط والغاز في دير الزور، الذي اعتمد هذا الشرط خلال حكم النظام السابق.

كما أن عدداً من المعاهد الفنية والتخصصية يتبع إدارياً لوزارات ومؤسسات أخرى غير وزارة التعليم العالي، وتحدد الجهات المشرفة عليها شروط القبول استناداً إلى احتياجاتها التنظيمية والوظيفية.

وفي هذا السياق، أكد مسؤول سابق في وزارة التعليم العالي لوكالة فرانس برس أن القيود الواردة في قوائم المفاضلة ليست جميعها جديدة، ما يستدعي التمييز بين الأنظمة الموروثة وأي تعديلات أُدخلت حديثاً.

لكن استمرار العمل بهذه الشروط أعاد طرح تساؤلات بشأن مدى ملاءمتها للتحولات التي يشهدها قطاع التعليم، ولا سيما في الاختصاصات المدنية التي لا تبدو فيها العلاقة واضحة بين طبيعة الدراسة وجنس الطالب.

وبحسب التقرير، لم تقدم وزارة التعليم العالي رداً على أسئلة وجهتها إليها وكالة فرانس برس بشأن الأسباب التي تقف وراء حصر القبول في الاختصاصات المعنية بالذكور.

اعتراضات نسائية على تقييد الخيارات التعليمية

أثارت الشروط المعلنة ردود فعل منتقدة في الأوساط النسائية والتربوية، حيث اعتبرت أصوات معارضة أن اعتماد الجنس معياراً للقبول قد يؤدي إلى تضييق الخيارات التعليمية المتاحة للفتيات، ويؤثر لاحقاً في فرص مشاركتهن في بعض القطاعات المهنية.

ونقلت وكالة فرانس برس عن المربية أحلام عثمان وصفها الإجراءات بأنها «عثرة إضافية في وجه النساء في سوريا»، مشيرة إلى ما تواجهه المرأة السورية من تحديات وتمييز، ومعتبرة أن مثل هذه القيود تستدعي الاعتراض عليها.

أما الطالبة إسراء سلوم، التي تستعد للتقدم إلى المفاضلة الجامعية، فاعترضت على استبعاد الطالبات من اختصاصات محددة، مؤكدة أن اختيار المسار الدراسي ينبغي أن يبقى مرتبطاً برغبة الطالب وقدراته ومؤهلاته.

وفي المقابل، دافع مستخدمون لمنصات التواصل الاجتماعي عن شروط القبول، معتبرين أن وجود اختصاصات محصورة بالذكور لا يعني حرمان النساء من التعليم الجامعي، في ظل استمرار إتاحة مجموعة واسعة من البرامج الأكاديمية لهن.

ويعكس هذا التباين اختلافاً في النظرة إلى وظيفة التعليم العالي، بين من يرى أن شروط القبول يمكن أن تخضع لاحتياجات المؤسسات ومتطلبات سوق العمل، ومن يعتبر أن تحديد الفرص التعليمية على أساس الجنس يحتاج إلى مبررات واضحة ومعلنة.

مفارقة في المؤسسات الأمنية والعسكرية

يتزامن الجدل حول القيود الجامعية مع تطورات أخرى داخل المؤسسات الأمنية السورية، حيث أعلنت وزارة الداخلية تخريج نحو 150 شرطية من معهد الشرطة النسائية في مدينة التل بريف دمشق، بحضور وزير الداخلية أنس خطاب.

ويشير تخريج هذه الدفعة إلى استمرار استيعاب النساء في بعض البرامج الأمنية، بالتوازي مع وجود قيود على قبولهن في اختصاصات أخرى ضمن المؤسسات العسكرية والأمنية.

وتطرح هذه المفارقة تساؤلات بشأن وجود سياسة موحدة تحدد فرص التحاق النساء بالمؤسسات المعنية، أو اعتماد معايير مختلفة بحسب طبيعة البرامج والجهات المشرفة عليها.

التعليم والحريات الشخصية في سوريا الجديدة

لا ينفصل الجدل المتعلق بالمفاضلة الجامعية عن نقاش أوسع تشهده سوريا بشأن التعليم والحريات العامة ودور المرأة، منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 ووصول السلطات الجديدة إلى الحكم.

ففي أيلول/سبتمبر الماضي، أثار قرار مدرسة «معهد الحرية» في دمشق فصل الطلاب عن الطالبات في المرحلتين الإعدادية والثانوية انتقادات وتساؤلات، رغم تأكيد إدارة المدرسة أن الخطوة لم تصدر استجابة لتوجيه رسمي.

وسبق ذلك جدل حول إجراءات أخرى مرتبطة بالحريات الشخصية، بينها تنظيم اللباس على الشواطئ وتقييد بيع المشروبات الكحولية في بعض مناطق دمشق.

وفي آب/أغسطس 2026، انتقدت أربع منظمات نسوية ومدنية سورية عدداً من القرارات والإجراءات التي اعتبرتها مقيّدة للحريات العامة والشخصية، وحذرت من انعكاساتها على حقوق النساء ومشاركتهن في الحياة العامة.

غير أن الربط بين هذه الملفات لا يعني بالضرورة صدورها ضمن سياسة حكومية واحدة، خصوصاً مع اختلاف الجهات المسؤولة عن اتخاذ القرارات وطبيعة الصلاحيات التنظيمية لكل منها.

تساؤلات حول مستقبل التعليم الجامعي

تتجاوز تداعيات الجدل حدود المفاضلة الجامعية لتلامس قضية أوسع تتعلق بمستقبل قطاع التعليم العالي في سوريا، ومدى قدرته على توفير فرص متكافئة للطلاب والطالبات في مرحلة تواجه فيها البلاد تحديات اقتصادية واجتماعية ومؤسساتية كبيرة.

فشروط القبول الجامعي لا تحدد المسار الأكاديمي فحسب، بل تنعكس أيضاً على فرص التوظيف والتخصص المهني والمشاركة في القطاعات الاقتصادية والإدارية والتقنية.

ومن هنا، تبرز أهمية توضيح الأسس التي تعتمدها الجهات التعليمية في تخصيص بعض الاختصاصات للذكور أو الإناث، والتمييز بين الشروط المفروضة لأسباب مهنية أو تنظيمية وبين القيود التي يمكن أن تحد من الخيارات التعليمية دون تبرير واضح.

وفي انتظار توضيحات رسمية بشأن هذه المعايير، يبقى ملف قبول الإناث في بعض الاختصاصات الجامعية عنواناً لنقاش مستمر حول تكافؤ الفرص وحدود التغيير في المؤسسات التعليمية السورية، في ظل مرحلة سياسية واجتماعية لا تزال ملامحها قيد التشكل.

المصدر: يورونيوز العربية، نقلاً عن وكالة فرانس برس، 8 تشرين الأول/أكتوبر 2026.

kuwait-press.com — متابعة الخبر
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى