اقتصاد

الخارجية السعودية: المسيّرات التي استهدفت خط شرق–غرب جاءت من الأراضي العراقية

بيروت | 13 سبتمبر 2026 | 21:25 | The Verificat + مصادر موثقة

تحول توقف خط أنابيب شرق–غرب السعودي من حادث أمني إلى اختبار مباشر لقدرة سوق النفط العالمية على امتصاص صدمة جديدة. فمع استمرار توقف المسار الذي كان ينقل قرابة أربعة ملايين برميل يومياً نحو البحر الأحمر، باتت السعودية أمام نافذة زمنية محدودة قبل أن يبدأ نقص المخزون المتاح في ينبع بالتأثير الفعلي في الصادرات.

وأفادت رويترز، الأحد، بأن مخزونات الخام المتاحة لدعم الشحنات من ميناء ينبع قد تكفي لنحو خمسة إلى سبعة أيام إذا لم يستأنف ضخ النفط عبر الخط. ويعني ذلك أن ما يصل إلى أربعة ملايين برميل يومياً — أي نحو 4% من الإمدادات النفطية العالمية — قد يصبح معرضاً للخروج من السوق إذا طال التوقف. ولا تعني هذه النسبة أن أربعة في المئة من الإمدادات قد اختفت بالفعل، بل إنها تمثل حجماً معرضاً للخطر في حال استنفاد المخزون واستمرار تعطل الخط.

توقف احترازي بلا موعد معلن لاستئناف الضخ

أكدت وزارة الطاقة السعودية أن خط شرق–غرب تعرض صباح 10 سبتمبر لعدة استهدافات في منطقتي الرياض والمدينة المنورة، وأنه أوقف احترازياً بعد الهجمات، مع تسجيل إصابات وبدء فرق الطوارئ والفرق الفنية أعمال تأمين الخط والتحقق من سلامته.

ولم تعلن الوزارة حتى وقت الإغلاق موعداً محدداً لاستئناف التشغيل، مكتفية بالتأكيد أن أي تطورات جديدة ستعلن لاحقاً. وهذا الغياب لجدول زمني رسمي للإصلاح هو العنصر الأكثر حساسية بالنسبة إلى سوق النفط، لأن الفارق بين توقف يدوم أياماً وآخر يستمر أسابيع يغيّر حجم الصدمة بالكامل.

وفي اليوم التالي، قالت وزارة الخارجية السعودية إن المسيّرات التي استهدفت الخط جاءت من الأراضي العراقية، وإن الهجمات أسفرت عن إصابات وأضرار يجري التعامل معها. وأضافت الرياض أنها اختارت عدم الرد في هذه المرحلة بعد طلب عراقي لمنح بغداد فرصة لاتخاذ إجراءات تمنع استخدام أراضيها لشن هجمات جديدة، مع احتفاظ المملكة بحقها في حماية منشآتها وسيادتها.

بين خمسة أيام وستة أسابيع

مصادر في سوق النفط قدمت لرويترز تقديرات مختلفة لمدة استعادة الخط.

إحدى التقديرات أشارت إلى أن الإصلاح الكامل قد يحتاج إلى خمسة أو ستة أسابيع، فيما تحدثت مصادر أخرى عن احتمال إعادة جزء من الضخ قبل استكمال جميع أعمال الإصلاح.

ولا يمثل أي من هذه التقديرات موعداً سعودياً رسمياً. لكن بالنسبة إلى السوق، تكمن الخطورة في أن المخزون المتاح في ينبع قد يغطي أياماً فقط، بينما قد تستغرق أعمال الإصلاح فترة أطول بكثير.

وهنا تبدأ الفجوة بين القدرة على الحفاظ على الصادرات مؤقتاً وبين القدرة على استمرارها بالمستويات الحالية.

ينبع ليست مخزوناً بلا حدود

بحسب بيانات ومصادر الصناعة التي أوردتها رويترز، تبلغ السعة التخزينية في ينبع نحو 35 مليون برميل، بينما تمتلك السعودية أيضاً قدرات تخزين مرتبطة بصادراتها في عين السخنة وسيدي كرير في مصر تبلغ نحو 18 مليوناً و20 مليون برميل على التوالي.

لكن السعة الاسمية للخزانات لا تعني أن جميعها ممتلئة أو متاحة فوراً للتصدير.

ولهذا فإن الرقم الأكثر أهمية ليس حجم الخزانات على الورق، بل كمية النفط القابلة للسحب والشحن فعلياً خلال الأيام المقبلة. وتقدير الخمسة إلى السبعة أيام يعكس هذه الفجوة بين الطاقة التخزينية النظرية والمخزون التشغيلي المتاح.

لماذا أصبح خط شرق–غرب حاسماً؟

صُمم الخط ليمنح السعودية منفذاً من حقولها الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، متجاوزاً مضيق هرمز.

ومع اضطراب الملاحة في هرمز خلال الحرب، تحول الخط من مسار بديل إلى شريان رئيسي للصادرات السعودية، إذ جرى تحويل نحو أربعة ملايين برميل يومياً عبره.

وهذا ما يجعل تعطله أكثر خطورة من حادث يصيب بنية تحتية داخلية؛ فالخط كان يمثل إحدى الأدوات الأساسية لتعويض تعطل الطريق البحري التقليدي.

بمعنى آخر، المشكلة لم تعد في أن هرمز يتعرض للضغط، بل في أن المسار المصمم لتجاوز هرمز تعرض هو الآخر للتعطيل.

الإنتاج شيء والتصدير شيء آخر

اقتصادياً، يجب الفصل بين قدرة السعودية على إنتاج الخام وبين قدرتها على إيصاله إلى المشترين.

قد تستمر الآبار والمنشآت في إنتاج النفط، لكن البرميل لا يدخل السوق العالمية إذا تعذر نقله إلى موانئ التصدير.

وهذا هو جوهر أزمة شرق–غرب: الكمية المهددة ليست بالضرورة إنتاجاً توقف عند البئر، بل نفطاً قد يصبح محصوراً خلف عنق زجاجة لوجستي إذا نفدت مخزونات الساحل الغربي قبل استعادة الخط.

ولهذا فإن الإعلان السعودي عن استئناف الضخ — حتى إذا كان جزئياً — سيكون أهم إشارة فنية تراقبها الأسواق.

الإمدادات السعودية منخفضة أصلاً

تأتي الأزمة في وقت لا تعمل فيه السعودية عند مستويات الإنتاج التي سبقت الحرب.

ووفق رويترز، أبلغت المملكة أوبك أن إنتاجها تراجع إلى نحو 6.2 ملايين برميل يومياً في أغسطس مقارنة بنحو 10.9 ملايين برميل يومياً في فبراير.

وفي السياق نفسه، تتوقع وكالة الطاقة الدولية انخفاض المعروض النفطي العالمي خلال 2026 بنحو 5.7 ملايين برميل يومياً، ما يعني أن السوق تدخل أزمة الخط السعودي وهي تعاني أصلاً من تراجع كبير في الإمدادات.

هرمز لم يعد قادراً على تعويض النقص

قبل الحرب، كان الشرق الأوسط يرسل عشرات الملايين من براميل النفط والمنتجات يومياً إلى الأسواق العالمية، وكان مضيق هرمز يمثل البوابة الرئيسية للصادرات الخليجية.

لكن التدفقات عبر المنطقة تراجعت بشدة مع الحرب والهجمات البحرية، فيما أظهرت بيانات الصناعة أن جزءاً كبيراً من صادرات الخليج لا يزال دون مستويات ما قبل الأزمة.

ولهذا كان خط شرق–غرب يمثل صمام أمان استراتيجياً للسعودية. وتعطله في وقت لا يزال فيه هرمز مضطرباً يعني فقدان جزء مهم من القدرة على إعادة توجيه الصادرات.

النفط فوق 100 دولار والديزل ينقل الصدمة إلى الاقتصاد

بدأت الأسواق بالفعل في احتساب علاوة المخاطر.

وتجاوزت أسعار النفط مستوى 100 دولار للبرميل خلال الأيام الماضية، بينما وصلت أسعار الديزل في الولايات المتحدة إلى مستويات قياسية تجاوزت ستة دولارات للغالون وسط اضطراب واسع في إمدادات الطاقة والمنتجات المكررة.

والديزل أكثر حساسية اقتصادياً من سعر البنزين وحده، لأنه يدخل مباشرة في الشاحنات والنقل البحري والزراعة والإنشاءات وسلاسل الإمداد.

لذلك تنتقل زيادة سعره بسرعة إلى أسعار الغذاء والسلع والنقل والإنتاج الصناعي.

من علاوة المخاطر إلى نقص فعلي

حتى الآن، لا تزال أزمة خط شرق–غرب في مرحلة الإمدادات المهددة وليست خسارة كاملة لأربعة ملايين برميل يومياً.

لكن هذه المعادلة يمكن أن تتغير سريعاً.

إذا استؤنف الضخ خلال أيام، قد تبقى الصدمة ضمن نطاق ارتفاع تكاليف النقل والمخاطر والأسعار.

أما إذا نفد مخزون ينبع بينما بقي الخط خارج الخدمة، فإن السوق ستنتقل من تسعير احتمال النقص إلى مواجهة نقص فعلي في البراميل القابلة للتصدير.

وهذه هي النقطة الفاصلة التي تراقبها السوق الآن.

أثر يتجاوز النفط إلى التضخم والفائدة

لا تقف التداعيات عند سوق الطاقة.

ارتفاع النفط والديزل يرفع تكاليف النقل والإنتاج، ما يعيد الضغط على التضخم في وقت تواجه فيه اقتصادات كبرى تباطؤاً في النمو.

هذه التركيبة تضع البنوك المركزية أمام معضلة صعبة: خفض أسعار الفائدة لدعم النشاط الاقتصادي قد يعزز الضغوط التضخمية، بينما الإبقاء على الفائدة مرتفعة يزيد كلفة الاقتراض ويضغط على الشركات والحكومات والأسر.

وهكذا يمكن لخلل في خط أنابيب داخل السعودية أن ينتقل عبر سلسلة مترابطة من النفط إلى الوقود، ومن الوقود إلى التضخم، ومن التضخم إلى السندات والفائدة والاستثمار العالمي.
الخارجية السعودية: المسيّرات التي استهدفت خط شرق–غرب جاءت من الأراضي العراقية

لماذا يهم؟

لأن سوق النفط العالمية لم تعد تمتلك هامشاً واسعاً لامتصاص صدمة جديدة.

التهديد الحالي لا يعني أن 4% من الإمدادات العالمية اختفت، لكنه يعني أن كمية بهذا الحجم يمكن أن تصبح غير متاحة للمشترين إذا اجتمعت ثلاثة عوامل: استمرار توقف خط شرق–غرب، نفاد المخزون التشغيلي في ينبع، وبقاء طرق التصدير عبر هرمز مضطربة.

لذلك سيكون المؤشر الأهم خلال الأيام المقبلة واضحاً ومباشراً: هل تستطيع السعودية إعادة ضخ النفط عبر خط شرق–غرب قبل أن تبدأ مخزونات البحر الأحمر في النفاد؟
المصادر: رويترز، 13 سبتمبر 2026؛ وكالة الأنباء السعودية، 11 و12 سبتمبر 2026؛ وكالة الطاقة الدولية كما نقلتها رويترز.
أُعدّ هذا التقرير وفق المعلومات المتاحة حتى وقت الإغلاق، مع الفصل بين الإمدادات المفقودة فعلياً والإمدادات المعرضة للخطر، وبين البيانات الرسمية والتقديرات المنسوبة إلى مصادر السوق.

kuwait-press.com — متابعة الخبر
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى